الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
11
مختصر الامثل
هذا خلق اللَّه : مواصلة للبحث حول القرآن والإيمان به في الآيات السابقة ، تتحدث الآيتان أعلاه عن أدلة التوحيد الذي هو أهمّ الأصول العقائدية . تشير الآية الأولى إلى خمسة أقسام من مخلوقات اللَّه التي ترتبط مع بعضها إرتباطاً وثيقاً لا ينفصل ، وهي : خلق السماء ، وكون الكواكب معلقة في الفضاء ، وخلق الجبال لتثبيت الأرض ، ثم خلق الدواب ، وبعد ذلك الماء والنباتات التي هي وسيلة تغذيتها ، فتقول : « خَلَقَ السَّموَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا » . « العَمَد » : جمع « عمود » وتقييد بنائها وإقامتها ب « تَرَوْنَهَا » دليل على أنّه ليس لهذه السماء أعمدة مرئيّة ، ومعنى ذلك أنّ لها أعمدة إلّاأنّها غير قابلة للرؤية ، فإنّ هذا التعبير إشارة لطيفة إلى قانون الجاذبية الذي يبدو كالعمود القوي جدّاً ، إلّاأنّه غير مرئي ، يحفظ الأجرام السماوية . إنّ الجملة أعلاه أحد معاجز القرآن المجيد العلميّة ، وقد أوردنا تفصيلًا أكثر عنها في ذيل الآية ( 2 ) من سورة الرعد . ثم تقول الآية في الغاية من خلق الجبال : « وَأَلْقَى فِى الْأَرْضِ رَوَاسِىَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ » . وبعد ذكر نعمة استقرار السماء بأعمدة الجاذبية ، واستقرار وثبات الأرض بواسطة الجبال ، تصل النوبة إلى خلق الكائنات الحية واستقرارها ، بحيث تستطيع أن تضع أقدامها في محيط هاديء مطمئن ، فتقول : « وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلّ دَابَّةٍ » . إنّ التعبير ب « مِن كُلّ دَابَّةٍ » إشارة إلى تنوع الحياة في صور مختلفة . إلّا أنّ من المعلوم أنّ هذه الحيوانات تحتاج إلى الماء والغذاء ، ولذلك فإنّ الجملة التالية أشارت إلى هذا الموضوع ، فقالت : « وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلّ زَوْجٍ كَرِيمٍ » . فالكرة الأرضية تعتبر سماطاً واسعاً ذا أغذية متنوعة يمتدّ في جميع أنحائها ، ويصلح لكل نوع منها حسب خلقته ، مما يدل على عظمة الخالق جل وعلا . ثم تشير هذه الآية مرّة أخرى إلى مسألة ( الزوجية في عالم النباتات ) وهي أيضاً من معجزات القرآن العلمية ، لأنّ الزوجية - أي وجود الذكر والأنثى - في عالم النباتات لم تكن ثابتة في ذلك الزمان بصورة واسعة ، والقرآن كشف الستار عنها . بعد ذكر عظمة اللَّه في عالم الخلقة ، وذكر صور مختلفة من المخلوقات ، وجّهت الآية الخطاب إلى المشركين ، وجعلتهم موضع سؤال واستجواب ، فقالت : « هذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِى